منتديات إحساسي و الرومنسية

منتديات إحساسي و الرومنسية (http://www.hayfasaley.com/vb/index.php)
-   الاسلاميات (http://www.hayfasaley.com/vb/forumdisplay.php?f=14)
-   -   لا تسألوا الأرزاق إلاّ من الرزّاق (http://www.hayfasaley.com/vb/showthread.php?t=16174)

نسر الشام 04-19-2018 03:29 AM

لا تسألوا الأرزاق إلاّ من الرزّاق
 
لا تسألوا الأرزاق إلاّ من الرزّاق


إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (آل عمران: 102)
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (النساء: 1)
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ (الأحزاب: 70- 71)

أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
أعاذنا الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين... آمين يا رب العالمين.

قال الله جلّ جلاله: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ (العنكبوت: 60)، وقال سبحانه: ﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴾ (الملك: 21)، وقال الذي بيده ملكوت كل شيء: ﴿ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (النمل: 64)
إنّ ما نمُرُّ به في هذه الأوقات العصيبة؛ من ضيق في الأرزاق، نتيجةَ الحصارِ والإغلاق، وما زال الأمرُ يزداد شدة، ويضيقُ الخناق، وما لنا إلا اللهُ الواحد الرزاق.

فكم ممن لا يجد ما يسد جَوعته؟ وكم ممن لا يجدُ ما يستر عورتَه؟ وكم ممن لا يجدُ جرعةَ دواءٍ تَردُّ عليه عافيتَه وصحتَه؟ وكم ممن لا يجد مسكنا يؤويه؟ ولا مكانا من الحرِّ والبردِ يحميه؟ وكم ممن تراكمت عليه القروض والديون؟ فركبته الهموم والغموم والكروب؟ وذلك نتيجةَ كثرةِ الطلبات، وحاجة النفقات؛ فالزوجة تقول: هات هات، والأولاد والبنات، يطالبون بتكاليف المدارس والجامعات، فهذا يريد مبلغا وقدره... للزِّيِّ والكتب المدرسية والقرطاسية، وهذه تطالب مبالغ شهريّة للمواصلات والرسوم الجامعية، هذا وذاك مع المصاريف اليومية، للنفقات العائلية والمنزلية.

يا رب! يا الله! وأنت تعلم وأنت علام الغيوب! أنّ العمل نادرٌ أو مفقود، والدخْل معدوم أو محدود، والدرهمُ والدينارُ رخيص قليلٌ الفائدة إذا كان في الجيب، وأغلا وأثمنُ وأصعب ما يكون الحصول عليه إذا كان في الغيب.
ربنا! إن لم يكن بك غضبٌ علينا فلا نبالي، ولكنَّ عافيتَك وفضلَك ورحمَتك هي أوسعُ لنا.

ربنا إننا نؤمن بأنّك أنت الخلاّق، فأبشر أيها الإنسان ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ (الحجر: 86)، فلن ينساك، ونؤمن بأنك أنت الرزّاق، فأبشر أيها المؤمن﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ (الذاريات: 58)، ونؤمن بأنك خلقتنا وترزقنا، والنعم كلُّها منك، ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ (النحل: 53)

فاعلم أخي في الدين؛ أنّ الأرزاق بيد الله القوي المتين، فما عليك أيها الفقير المسكين! إلا الوقوفُ ببابه، واللجوءُ إلى جنابه، واسعَ واجتهد لأن تكون من أحبابه، فإنه لا يخيب من رجاه، ولا يردُّ من سأله ودعاه، فقال: يا رب يا ألله.

إذن؛ فلابد من السعي والاجتهاد والعمل، واجتنابِ اللهوِ والتواني والكسل، فإن كنت جادًّا في طلب الأرزاق، فخذ بالأسباب وتوجه إلى الرزاق سبحانه، ومن هذه الأسباب:

تقوى الله جلَّ جلاله في السر والعلن: لقد تكفَّل سبحانه وتعالى لمن يتقيَ اللهَ فيما أمره، واجتنابِ ما نهاه عنه؛ بأن ينجيَه من كلِّ كرب مما ضاق على الناس، ويرزقه من حيث لا يرجو ولا يخطر له على بال، ويقنعه بما رزقه، ويباركُ له في رزقه، وتَمثَّل هذا بقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ (الطلاق: 2- 3)، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (الأعراف: 96).

إن تقوى الله تدعوك للتفرغ ساعاتٍ أو بعض الأوقات، للعبادة والصلاة، والتفرغ لعبادة الله يؤدِّي إلى الغنى وسدِّ أبواب الفقر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، مَلَأتُ صَدْرَكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ".

وأحسنَ ابنُ قيم الجوزية رحمه الله إذ قال: [الصَّلَاةُ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَدَفْعِ مَفَاسِدِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهِيَ مَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ، وَدَافِعَةٌ لِأَدْوَاءِ الْقُلُوبِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ، وَمُنَوِّرَةٌ لِلْقَلْبِ، وَمُبَيِّضَةٌ لِلْوَجْهِ، وَمُنَشِّطَةٌ لِلْجَوَارِحِ وَالنَّفْسِ، وَجَالِبَةٌ لِلرِّزْقِ، وَدَافِعَةٌ لِلظُّلْمِ، وَنَاصِرَةٌ لِلْمَظْلُومِ، وَقَامِعَةٌ لِأَخْلَاطِ الشَّهَوَاتِ، وَحَافِظَةٌ لِلنِّعْمَةِ، وَدَافِعَةٌ لِلنِّقْمَةِ، وَمُنْزِلَةٌ لِلرَّحْمَةِ، وَكَاشِفَةٌ لِلْغُمَّةِ..].

إن المتابعة في العبادات، جالبةٌ للأرزاق، كالحج والعمرة وإن كان فيهما إنفاق، فيعوضها الرزاق سبحانه، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن المتابعة بين الحج والعمرة يسبِّب الغنى، ويطرد الفقر، قال صلى الله عليه وسلم: "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ".
و(الْكِيرُ) الكير: قِرْبَةٌ من جلد أو نحوه، يستخدمها الحداد وغيره للنفخ في النار لإذكائها.-

إنّ إنفاق المالِ خالصا لله سبحانه؛ فرضا كان كالزكوات، أو تطوُّعا كالصدقات والنفقات، يجلب الأرزاق، ويضاعف البركات، والآيات والأحاديث التي تبين أن الصدقة والإنفاق سببٌ في جلب الأرزاق، وحصول البركات، ودوامِ النعم؛ كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ (البقرة: 276)، فقوله سبحانه: ﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾؛ أي ينمِّيها في الدنيا بالبركة، ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: 39)، قال القرطبي: (هذه إشارة إلى أن الخُلْف -أي أن يخلف عليك الله- في الدنيا بمثل المنفَق فيها إذا كانت النفقة في طاعة الله،... والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ولا تتناهى).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ".

أيها المنفق في سبيل الله! أبشر! فقد وكّل الله بك يوميا ملكين يدعوان لك، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: مَنْ يُقْرِضْ الْيَوْمَ يُجْزَى غَدًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا").

[قَالَ الْعُلَمَاء: هَذَا فِي الْإِنْفَاقِ فِي الطَّاعَاتِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَعَلَى الْعِيَال، وَالضِّيفَ، وَالصَّدَقَات، وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ لَا يُذَمُّ وَلَا يُسَمَّى سَرَفًا، وَالْإِمْسَاكُ الْمَذْمُوم، هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ هَذَا].

فأنفق ولا تخافن فقرا أو قِلَّة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: (عَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِلالا، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ صُبَرًا مِنْ تَمْرٍ)، فَقَالَ: ("مَا هَذَا يَا بِلالُ؟!") قَالَ: (تَمْرٌ ادَّخَرْتُهُ يَا رَسُولَ الله)ِ، قَالَ: ("أَمَا خِفْتَ أَنْ تَسْمَعَ لَهُ بُخَارًا فِي جَهَنَّمَ؟! أَنْفِقْ بِلالُ! وَلا تَخَافَنَّ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا").

فإن كنت تريد أن يكون الله في حاجاتك فيقضيها، فكن في حاجات إخوانك يا عبد الله، عَنْ زَيْدِ بن ثَابِتٍ رضي الله -تعالى- عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("لَا يَزَالُ اللهُ فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ، مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ").

أبشر يا واصلَ الأرحام،بأرزاق من الرزّاق، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَأَنْ يُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ").
وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "صِلَةُ الرَّحِمِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَحُسْنُ الْجِوَارِ، يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ".
وثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
قال النووي رحمه الله: (بسط الرزق: توسيعه وكثرته، وقيل: البركة فيه).

وقال الحافظ ابن حجر: (قال العلماء: معنى البسط في الرزق البركة فيه؛ لأن صلة أقاربه صدقة، والصدقة تربي المال وتزيد فيه فينمو بها ويزكو).

ومن أعظم ما يجلب الأرزاق التوكل على الرزاق، والأخذ بالأسباب، قال سبحانه وتعالى: ﴿ ... وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (الطلاق: 3)
قال القرطبي رحمه الله: التوكل [هُوَ الثِّقَةُ بِاللَّهِ وَالْإِيقَانُ بِأَنَّ قَضَاءَهُ مَاضٍ، وَاتِّبَاعُ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السعي فيما لابد مِنْهُ مِنَ الْأَسْبَابِ مِنْ مَطْعَمٍ وَمَشْرَبٍ وَتَحَرُّزٍ مِنْ عَدُوٍّ وَإِعْدَادِ...].

عبد الله؛ لا تُنزل حاجتك بأحد، ولا تتوجه بفاقتك إلا إلى الله، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ"، -أصابه فقر أو حاجة- "فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنى؛ إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى عَاجِلٍ".

فبالتوكل الصادق على الله سبحانه تأتي الأرزاق بأدنى الأسباب، فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا".

[قَالَ الْمُنَاوِيُّ رحمه الله تعالى: أَيْ: تَغْدُو -هذه الطير- بَكْرَةً وَهِيَ جِيَاعٌ، وَتَرُوحُ عِشَاءً، وَهِيَ مُمْتَلِئَةُ الْأَجْوَافِ، فَالْكَسْبُ لَيْسَ -برزاق ولا- بِرَازِقٍ؛ بَلْ الرَّازِقُ هُوَ اللهُ -سبحانه و- تَعَالَى.
فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ لَيْسَ التَّبَطُّلَ وَالتَّعَطُّلَ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّوَصُّلِ بِنَوْعٍ مِنْ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الطَّيْرَ تُرْزَقُ بِالسَّعْيِ وَالطَّلَبِ.

وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَسْبِ، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الرِّزْقِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: لَوْ تَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ فِي ذَهَابِهِمْ وَمَجِيئِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ، وَعَلِمُوا أَنَّ الْخَيْرَ بِيَدِهِ -سبحانه-، لَمْ يَنْصَرِفُوا إِلَّا غَانِمِينَ سَالِمِينَ كَالطَّيْرِ].

والدعاء بطلب الرزق والبركة فيه مما يجلب الأرزاق، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي وَارْزُقْنِي، وَارْفَعْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي، ثُمَّ سَجَدَ").

وهناك دعوات تجمع الدنيا والآخرة، فَعَنْ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ رضي الله عنه؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي!) -يريد من الدنيا والآخرة، فماذا أقول؟- قَالَ: ("قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ").

وقد [جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ)، قَالَ: ("قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ") قَالَ -الأعرابي-: (فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟!) -وهذا مدحٌ لله سبحانه وتعالى، فما لي أنا؟- قَالَ: ("قُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي")]....

ومن الأسباب الجالبة للأرزاق؛ شكر المنعم الرزاق سبحانه على نِعَمِه،فقد قال سبحانه: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ (إبراهيم: 7)، وقال سبحانه أيضًا: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ (الضحى: 11)، فلو شكرت الله سبحانه وحمدته على نعمةٍ أنعمها عليك كان شكرُك وحمدُك أفضلَ من تلك النعمة، فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَحَمِدَ اللهَ عَلَيْهَا؛ إِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْحَمْدُ أَفْضَلَ مِنْ تِلْكَ النِّعْمَةِ".
إذا أعطاك الله نعمةَ الصحة، وكنتَ شديداً عتيداً قوياً نشيطاً كالحصان، لا بد من سنوات تمضي وتمضي حتى يأتي الأجل، ويموت الإنسان، فأين هذه النعمة؟ زالت!...

لكنك إذا حمدت الله عليها، وارتقت نفسك في مدارج الحمد وسَمَتْ، سَعِدْتَ بحمدك إلى الأبد، إذن؛ الحمد على النعمة أفضل من النعمة نفسها، قال صلى الله عليه وسلم: "مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ".

لو أنك وُهِبتَ زوجةً صالحة، فأعانتك على متاعب الحياة، وحصَّنتك، وسكنت إليها، فلا بدّ من ساعة تفارقها أو تفارقك، إما أن تفارقها أولاً، وإما أن تفارقك -هي- أولاً، لكنَّكَ إذا حمدتَ الله على نعمة الزوجة الصالحة، فإنَّ هذا الحمد تَسْعَدُ بثوابه إلى أبد الآبدين.

العبد ماذا أَعطى؟ أعطى- هذه الكلمة، كلمة (الْحَمْدُ للهِ)، هذه الكلمة التي أعطاها العبد لربه أفضل عند الله مما أَخذ، لو أخذ بيتاً ثمنه خمسة ملايين، وقال: يا ربي لك الحمد، فكلمة (الْحَمْدُ للهِ) أفضل عند الله من هذا البيت؛ لأن هذا البيت مصيره إلى الخراب، لكن هذا الحمد يَسعدُ به الإنسان إلى الأبد.


والتّوبة والاستغفار، من الأسباب الجالبة للأرزاق، فالإنسان ما هو معصوم بل يعصي ربه، والمعاصي سبب الفقر والخذلان، فالتائب والمستغفر يمتعه الله ويرزقه في الدارين، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ (هود: 3)، وذكر لنا سبحانه قولَ هود عليه السلام لقومه: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ (هود: 52)

ذكر القرطبي رحمه الله: أن الاستغفارَ يستنزلُ به الرزق والأمطار، وأن عادًا -قوم هود- كانوا أهل بساتين وزروع وعمارة، فحُبِس عنهم المطر، فقال لهم هود -عليه السلام-: إن آمنتم وأكثرتم الاستغفار يحيي الله بلادَكم، ويرزقَكم الأموال والأولاد، ويزيدكم قوة إلى قوتكم.

وقال سبحانه وتعالى عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾ (نوح: 10- 12)
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم.


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد؛
يا طالب الرزق من الرزاق سبحانه، عليك بالسعي في الكسب أخذا بالأسباب، وتوكلا على الوهاب سبحانه، فقد أمر الله بذلك حيث ذللّ لنا الأرض بأكملها فقال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ (الملك: 15)، قَالَ الْبُخَارِيُّ رحمه الله : ﴿ مَنَاكِبِهَا ﴾: جَوَانِبِهَا.
فإذا عملت عملا فأتقنه وأحسنه، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلَا أَنْ يُتْقِنَهُ".

وإن سألتم عن أَفْضَلِ التَّكَسُّبِ فهم عمل اليد، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ رضي الله عنه قَالَ: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَاسِطًا يَدَيْهِ)، يَقُولُ: ("مَا أَكَلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ طَعَامًا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عليه السلام، كَانَ لَا يَأكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ").


وفي آخر الزمان يكتفي المسلمون بذكر الله عن الطعام والشراب، فكما اكتفت هاجر رضي الله عنها بماء زمزم عن الطعام والشراب، واكتفى به -أيضا- أبو ذر رضي الله عنه عن الطعام والشراب، سيكتفي المؤمنون في زمن القحط والقلة في آخر الزمان، في زمن الدجال، سيكتفون بذكر الله عن الطعام والشراب، فعن أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها في حديث طويل الشاهد منه، قولُ الرسول صلى الله عليه وسلم: ("ليس عليكم بأس؛ إن يخرج") -أي الدجال- ("وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإن مِت فالله خليفتي على كل مؤمن")، قالت -أسماء بنت يزيد-: قلت: (أمعنا يومئذ قلوبنا هذه يا رسول الله؟!) -مع كثرة الفتن التي يأتي بها.-

قال: ("نعم! أو خير، إنه توفى إليه ثمرات الأرضين وأطعمتها")، -هو الذي يستولي على اقتصاد العالم بأكمله،- قالت: (والله إن أهلي ليختمرون خميرتهم، -يعني ينتظرون حتى يختمر العجين، ثم يذهب به إلى التنور حتى يخبز،- فما يدرك حتى أخشى أن أُفتن من الجوع، وما يجزي المؤمنين يومئذ؟!)
قال: ("يجزيهم ما يجزي أهل السماء")، قالت: (يا نبي الله! ولقد علمنا أن لا تأكل الملائكة ولا تشرب!)

قال: ("ولكنهم يسبحون ويقدسون، وهو طعام المؤمنين يومئذ وشرابهم؛ التسبيحُ والتقديسُ، فمن حضر مجلسي، وسمع قولي، فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، واعلموا أن الله صحيح ليس بأعور، وأن الدجال أعور؛ ممسوح العين، بين عينيه مكتوب: كافر، فيقرؤه كلُّ مؤمن؛ كاتبٌ أو غير كاتب").

ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال جل جلاله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (الأحزاب: 56)
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهوانَنا على الناس، يا أرحم الراحمين! إلى من تكلنا؟ إلى عدوٍّ يتجهمنا، أم إلى قريب ملكته أمرنا؟ إن لم تكن ساخطا علينا فلا نبالي، غير أن عافيتك أوسع لنا، نعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة؛ أن تَحِلَّ علينا غضبَك، أو تُنزل علينا سخطَك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.
وأقم الصلاة؛ ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون﴾ (العنكبوت: 45)

عذابي دلع 04-20-2018 12:14 AM


ورد الجوري 04-20-2018 01:05 AM



لا احرمنا الله من عطائكم الجميل
يسلمو الايادي
ويعطيكم العافيه


أمير الذوق 04-20-2018 12:21 PM


تسلم ايدينك وفكرك
كل الشكر لك
دمت بخير

اريام 06-03-2018 05:15 PM

يعطيك العافية
جزاك الله كل خير

لمني بشوق 06-20-2018 08:48 PM

جزاك الله الف خير وحسنه

ربي يسلم دباتك لجمال الطرح

ورد برناوي 06-21-2018 06:21 AM

إبداع رائع
وطرح يستحق المتابعة
يعطيك العافيه


الساعة الآن 02:53 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. By LjR7 Company
هذا الموقع يستخدم منتجات Weblanca.com
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2011-2012
new notificatio by 9adq_ala7sas

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009